النويري

58

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال : وجاء خصمان فادّعى أحدهما على الآخر أنه أودعه جواهرا ؛ فاعترف به وقال : أعدته إليه ، فتقدّم المدّعى وتناول السلسلة فدنت منه حتى تناولها ، ثم قال للمدّعى عليه : تناولها . وكان قد أخذ الوديعة فجعلها في قناة مجوّفة ، فناولها للمدّعى وقال : الزم عصاي هذه ، ومدّ يده إلى السلسلة فدنت منه حتى كاد يتناولها ؛ ثم ارتفعت وتدلَّت إليه مرارا ، ثم تناولها ، فقال داود للمدّعى : لعلّ هذا قد سلَّم وديعتك لأهلك . فرجع وسأل أهله ، فقالوا : ما دفع إلينا شيئا . فعاد وأعلم داود ، فأخذ داود القناة وشقّها ، فطلعت الوديعة منها ؛ وارتفعت السلسلة من ذلك اليوم . قال الثعلبىّ : وكان عمر بن الخطاب - رضى اللَّه عنه - إذا اشتبه عليه أمر الخصمين قال : ما أحوجكما إلى سلسلة بني إسرائيل ؟ كانت تأخذ بعنق الظالم فتجرّه إلى الحق جرّا . واللَّه أعلم بالصواب . ومنها : القوّة في العبادة وشدّة الاجتهاد ؛ قال اللَّه تعالى : * ( واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ ) * « 1 » ، أي القوّة في العبادة * ( إِنَّه أَوَّابٌ ) * أي توّاب مطيع مسبّح . وكان داود يقوم الليل ، ويصوم يوما ويفطر يوما ، وما مرّت ساعة من الليل إلَّا وفيها من آل داود قائم يصلَّى ، ولا يوم من الأيام إلَّا وفيه منهم صائم . ومنها : قوّة المملكة . قال اللَّه تعالى : * ( وشَدَدْنا مُلْكَه ) * « 2 » أي قوّيناه ، وقرأ الحسن : ( وشدّدنا ملكه ) بالتشديد . قال ابن عباس : كان أشدّ ملوك الأرض سلطانا ؛ كان يحرس محرابه كلّ ليلة ثلاثة وثلاثون ألف رجل . وقال السّدّىّ : كان يحرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف .

--> « 1 » سورة ص آية 17 . « 2 » سورة ص آية 20